محمد أبو زهرة
1843
زهرة التفاسير
من أوصافه ، وشأنا من شؤونه ، وخلقا من أخلاقه ، ومن صار الإثم عادة له ، حتى صار يوصف بأنه خوان ، وأثيم . فكلمة خوان صيغة مبالغة معناها أن الخيانة صارت وصفا ملازما له ، وكلمة أثيم صيغة مبالغة من إثم ، تفيد أن الإثم صار وصفا ملازما ! . وأن محبة الله تعالى شأن من شؤونه سبحانه تليق بذاته الكريمة ، وهي تتضمن معنى الرضوان ، وتستلزم فيض رحمته ومنح غفرانه ، فمن فقد محبة الله تعالى ، فقد حرم من الرضوان ، وحرم من رحمة الله تعالى التي تكون للتوابين ، وحرم غفرانه ؛ لأنه لا يكون إلا لمن أحاطت به خطيئته ، حتى لا ينتقل إلا من إثم إلى إثم ! ! . وقد أكد سبحانه نفى محبته لهؤلاء الذين أركست نفوسهم في الخيانة ، ودنس الإثم نفوسهم ، حتى أصبحوا لا يعيشون إلا في آثام ، بالجملة الاسمية المصدرة بحرف « إن » الدال على التوكيد . وهنا إشارة معنوية : وهي أنه تعالى وصف الذين حرموا محبته بأنهم خوانون أثيمون ؛ وذلك له معناه لأن اختيان النفس ، وتعودها الخيانة يجرها إلى آثام كثيرة ، فمن خان يسرق ويكذب ، ويأكل أموال الناس بالباطل ، ولا يتحرج عن إثم ، فكأن الخيانة جاذبة معها كل الآثام ! . يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ إن أولئك الخوانين الأثيمين لا تنالهم محبة الله تعالى ، ولا رحمته ولا مغفرته ، ومن شأنهم أن يكونوا بعداء عن الناس غير ملتقين بهم ، فهم دائما يستخفون من الناس ليدبروا ما يدبرون ، ولأنهم في جفوة مستمرة ، ولا يحبون الناس ولا يألفونهم ، ولا يحبون لقاءهم ، وإذا لقوهم أظهروا غير ما يكتمون ، وأبدوا غير ما يخفون ! . فالخائن لمجتمعه وأمته يتسم بسمة تجمع عيوبا ثلاثة : هذه السمة هي الاستخفاء ، وهذه العيوب هي الجفوة التي تحمله على ألا يظهر ، وكتمانه أمره حتى لا يكشف ، وتدبيره السوء في استخفائه ! والباعث على ذلك كله الأنانية الظالمة ، والأثرة القاطعة ! .